Enhancing Understanding

[Contents] [Mission Statement] [Toastmasters] [New Products] [ترجمه] [Public Speaking] [Fun Stuff] [بالعربي] [Family Corner] [Sceintific Presenations] [Testimonials] [statistics&News] [لماذا هذا الموقع؟] [Workshops] [Contact Us] [misinformed?]

 

 

 

 سيف محمد

الكاتب يوري أفنيري- 23سبتمبر2006

ترجمه بتصرف : د.أشرف فوزي يوسف

 منذ كان اباطره الرومان يلقون المسيحين للاسود مرت العلاقات بين الاباطره ورِؤساء الكنيسه بتغيرات عديده. كونستانتين العظيم و الذي بدء امبراطوريته في عام 306م (تحديدا منذ 1700 مضت) شجع علي ممارسه المسيحيه في الامبراطوريه و التي شملت فلسطين. وبعد عده قرون انقسمت الكنيسه الي شرقيه (أرثوذكسيه) وغربيه (كاثولوكيه). في الغرب حصل قسيس روما علي لقب البابا و طلب من الامبراطور ان يلتزم الولاء و الطاعه.

كان للصراع بين الاباطره و البابوات دور رئيسي في تاريخ اوروبا و ادي الي انقسام الشعوب ومر بارتفاعات و انخفاضات عديده. لم يكترس بعض الاباطره للبابا اوقاموا بطرده كما لم يأبه بعض البابوات للامبراطور اواخرجوه من الكنيسه. وقف هنري السادس حافي القدمين في الثلوج امام قلعه البابا لمده 3 ايام حثي رضي عنه ورفع عنه اللعنه بعد ان طرده من الكنيسه.

ولكن كانث هناك عصور عاش فيها الاباطره و البابوات معا في سلام ونحن نشهد الان فتره مماثله من التوافق بين البابا بنديكت السادس عشر و الامبراطور الحالي جورج بوش الثاني ونوع من التناغم المدهش. كان حديث البابا في الاسبوع الماضي و الذي اثار عاصفه عالميه جيد الوقع علي بوش علي خلفيه الاسلام الفاشي و في اطار صراع الحضارات. في محاضره البابا رقم 256 في المانيا قام بوصف الخلاف الكبير بين المسيحيه و الاسلام, فبينما المسيحيه تعتمدعلي العقل فان الاسلام ينكره و بينما يري المسيحيون المنطق في أعمال الرب فان المسلمين ينكرون أيه منطق في أعمال الرب.

بالنسبه لي كيهودي ملحد فانني لااود الدخول في هذا الجدال فانه أكبر من قدراتي المتواضعه علي فهم البابا ولكنني لايمكني التغاضي عن فقره في خطاب البابا وهي تنطبق علي أيضا كاسرائيلي يعيش علي الشرخ الزلزالي لصراع الحضارات. لتبرير فقدان المنطق في الاسلام أصر البابا علي أن النبي محمد أمر أتباعه باسثخدام السيف لنشر الدين وتبعا لروا يه البابا فأن هذا يؤكد فقدان المنطقيه أذ أن العقيده تولد في الروح و ليس الجسد. فكيف يمكن للسيف السيطره علي الروح؟

أعتمد البابا ليثبث نظريته علي الاقتباس من الامبراطور البيزنطي عمانويل الثاني باليلوجس-دون عن كل الناس-  والذي ينثمي الي الكنيسه الشرقيه المنافسه-و الذي أشترك في مناظره- مشكوك في صحتها تاريخيا-  مع مسلم من فارس في نهايه القرن الرابع عشر. في حميه المناقشه قال الامبراطور عمانويل (كرأي شخصي) العبارات التاليه: "أرني أي جديد  أتي به محمد. سوف تجد فقط أشياء شريره و لا أنسانيه كمثال الامر بنشر العقيده بحد السيف".

تقودنا هذه العبارات الي 3 أسئله:1 لماذا قالها الامبراطور؟2هل تعبر عن واقع؟3 لماذا أقتبسها البابا؟ 

عندما قال عمانويل هذه العبارات كان رئيسا لامبراطوريه تحتضر. تولي الرئاسه في 1391م في وقت بقيت قليل من المقاطعات في مملكته اللامعه و حتي هذه المقاطعات كانت تحت التهديد التركي في ذلك الوقت. كان الاتراك العثمانين في ذلك الوقت علي ضفاف الدانوب وقدتمت لهم السيطره علي بودابست وشمال اليونان كما هزموا جيوش أوروبا مرتين عندما حاولت أنقاذ الامبراطوريه الشرقيه. في 29 مايو 1453وبعد سنوات قليله من وفاة عمانويل الثاني هذا سقطت عاصمته القسطنطنيه  (أسطنبول حاليا) في قبضه الاتراك واللذين وضعوا بذلك نهايه لامبراطوريه دامت لاكثر من 1000عام. 

قام عمانويل الثاني في أثناء ولايته بجولات في العواصم الاوروبيه في محاوله للحصول علي دعم وقد وعد بتوحيد الكنيسه و ليس من شك أنه كتب مقالته الدينيه لتحريض الدول المسيحيه ضد الاتراك ولاقناع هذه الدول ببدايه حرب صليبيه جديده. أو بمعني أوضح كان هدفه العملي هو تسخيرالعقيده في خدمه السياسه.

في  هذه الحاله خدم الاقتباس متطلبات الامبراطور الحالي جورج بوش الثاني و هو أيضا يريد أن يوحد العالم المسيحي ضد "محور الشر" و الذي أساسه أسلامي. كذلك فأن الاتراك يطرقون أبواب أوروبا في هذه الايام بشكل سلمي. و من المعروف جيدا أن البابا يؤيد القوي التي تعارض أنضمام الاتراك الي الاتحاد الاوروبي.

هل هناك أيه جانب من الحقيقه في نظريه عمانويل؟

بدء البابا بنفسه بكلمه تحذير. كرجل دين جاد ومعروف فأن البابا لايمكنه أن يقوم بتزوير في أيه نص محفوظ {القرأن}. لذلك فقد أقر أن القرأن نهي بوضوح عن نشر العقيده عن طريق القوه. وأقتبس البابا من السوره الثانيه ايه 256 (و صحتها 257 وهي غلطه غير متوقعه من معصوم)و تقول "لاأكراه في الدين".

 كيف يمكن لمخلوق مناقشه هذه الجمله الشديده الوضوح؟ قال البابا ببساطه "أن هذا الامر صدر في بدايه حياةالنبي عندما كان مستضعغا وعديم النفوذ و لكنه لاحقا أمرباستعمال السيف في خدمه العقيده." هذا الامر غير مذكور في القرأن. حقيقه أمر محمد باستعمال السيف ضد القبائل المعاديه من المسيحين واليهود و أخرين من الاعداء في الجزيره العربيه عندما كان يبني دولته و لكن كان هذا عمل سياسي و ليس عقائدي.كان للسيطره علي أراضي و ليس لنشر دين.

قال السيدالمسيح "وستعرفونهم من ثمارهم". يجب أن يحكم علي معامله الاسلام للاديان الاخري بأختبار بسيط: ماذا فعل الحكام المسلمين عندما كانت السلطه بأيديهم لاكثر من الف عام؟ هل نشروا العقيده بحد السيف؟  حسنا. أنهم بالتأكيد لم يفعلوا.

حكم المسلمون اليونان لعده قرون فهل تحول اليونانيين الي الاسلام؟هل حاول أحد تحويلهم الي الاسلام؟ علي النقيض. المسيحين اليونانيون شغلوا أعلي المناصب في الاداره العثمانيه. في وقت ما عاش البلغار و الصرب و الرومانين و المجريون و كل الشعوب الاوروبيه  تحت الحكم العثماني و بقوا علي عقيدتهم المسيحيه. لم يقم أحد بأجبارهم علي أعتناق الاسلام.  حقيقه تحول الالبانيين للاسلام و كذلك البوشناق ولكن لا يمكن لاحد أن يدعي أن هذا حدث تحت أيه تهديد. لقد أعتنقوا الاسلام ليحصلوا علي الحظوه لدي الحكومه و لاسباب ماديه.

في عام 1099 م أستولي الصليبين علي القدس فقاموا بذبح أهلها من اليهود و المسلمين بدون أيه تمييز وكان ذلك باسم السيد المسيح. في هذا الوقت وبعد أكثر من 400 عام علي أحتلال المسلمين لفلسطين كانت أغلبيه السكان ما تزال من المسيحين. في خلال هذه الفتره لم تكن هناك أيه محاوله لفرض الاسلام علي هؤلاء السكان. بدأت أغلبيه السكان فقط بعد طرد الصليبين في استخدام اللغه العربيه واعتناق الاسلام , هؤلاء هم معظم أباء الفلسطنين المعاصرين.

كذلك ليس هناك أيه دليل علي فرض الاسلام علي اليهود. فكماهومعروف فأنه تحت حكم الاسلام في أسبانيا تمتع اليهود بأزدهار لم يشهدوه في أيه عصرأخرباستثناء العصرالحالي.  و ظهرشعراء من أمثال ياهودا هاليفي الذي كتب أشعاره بالعربيه وموسي بن ميمون العظيم. ففي أسبانيا الاسلاميه كان اليهود وزراء وشعراء وعلماء و في  مدينة توليدو الاسلاميه عمل العلماء المسلمين والمسيحين واليهود جنبا لجنب لترجمه فلاسفه اليونان والمراجع العلميه وكـان هذا حقيقه هو العصرالذهبي . فكيف حدث هذا أذا كان أمر النبي هو نشر العقيده بحد السيف؟  

كان ماحدث بعد ذلك ذو دلاله أكبر. عندما أستعاد الكاثوليك أسبانيا من المسلمين قاموا بنشر سيطره أرهابيه دينيه و أعطوا للمسلمين و اليهود خيـارات كلها قاس.

 أما التحول للمسيحيه أو الترحيل أوالذبح. ماذا حدث لمئات الالاف من اليهود اللذين أبوا ترك عقيدتهم وفضلوا الفرار؟ تم أستقبالهم جميعا وبأذرع مفتوحه في البلاد الاسلاميه. أنتقل اليهود الشرقين (السفارد) وأستقروا في العالم الاسلامي من المغرب غربا الي العراق و من بلغاريا  ( جزء من الامبراطوريه العثمانيه) في الشمال الي السودان في الجنوب. لم يعاني اليهود من أيه أضطهاد في أية من هذه الاماكن ولا للتعذيب ولا محاكم التفتيش ولا للترحيل الجماعي والتي حدثت في كل البلاد المسيحيه و حتي المحرقه (الهولوكست).

لماذا؟ 

السبب يرجع الي أن الاسلام حرم بوضوح أي أضطهاد "لاهل الكتاب". كان لليهود والمسيحين مكان مميز في المجتمع الاسلامي. ربما لم يكونوا يعاملون كمواطنين من الدرجه الاولي و لكنهم كانوا قريبين جدا من ذلك. كان عليهم دفع ضريبه خاصه في مقابل عدم الانخراط في الخدمه العسكريه, و قد كان هذا النوع من التبادل مرحبا به من جانب اليهود. لقد قيل أن الحكام المسلمين كانوا ينظرون بنوع من الضيق لليهود اللذين كانوايتحولون الي للاسلام حتي بالاقناع البسيط لان  ذلك كان يعني نقص حصيله الضرائب.

أن كل يهودي شريف يعرف تاريخ قومه لايمكنه الا أن يشعر بأحساس عميق بالامتنان للاسلام و هو الذي حما اليهود لاكثر من خمسين جيل في الوقت الذي قام المسيحسين باضطهادهم كما قاموا مرات عديده (وبواسطه السيف) لدفع اليهود لترك عقيدتهم.

هذه المقوله حول نشر العقيده بالسيف هي نوع من الاسطوره الشريره و قد نمت كخرافه في أوروبا في أثناء الحروب الكبري ضد الاسلام لاسترجاع أسبانيا للمسيحين و الصليبين و في وقت كراهيه الاتراك و اللذين كانوا علي وشك الدخول الي فيينا. 

أنا أعتقد أن البابا الالماني حقيقه يؤمن بهذه الخرافات-وهذايعني أن قائد العالم الكاثوليكي و هوالمنظرو العالم المسيحي لم يبذل الجهدالكافي لدراسه تاريخ الديانات الاخري.

لماذا ردد هذه الكلمات علنيه؟ و لماذا الان؟

ليس هناك مفر من تحليل ذلك علي خلفيه من الحمله الصليبيه الجديده لبوش ومؤيديه المتطرفين و خاصه مع عبارات الفاشيه الاسلاميه و الحرب الشامله علي الارهاب و أستخدام لفظ الارهاب دائما مقترنا بالاسلام. يقوم المسيطرون علي بوش بهذه الحمله الخبيثه للسيطره علي منابع البترول ,و هذه ليست المره الاولي في التاريخ. فغطاء الدين ينشر ليغطي عوره المصالح الاقتصاديه. وهذه ليست المره الاولي التي تتحول فيها مغامرات اللصوص الي حرب صليبيه.

حديث البابا ينغمس في هذه الجهود و لكن من يستطيع التنبؤ بمدي خطوره النتائج؟

 

الوسطية و الميزان للدكتور وليد خير

الوسطية ظاهرة كونية و بشرية:  "و السماء رفعها و وضع الميزان"  "و كذلك جعلناكم أمة وسطاَ"

الوسطية في الكون هي أمر، أي أن الكون مأمور بالتوجه و الحركة دائماَ نحو الوسطية و التوازن. فالعلاقات التي تقوم بين نبات و حيوان و موارد

و عناصر هذا الكون تهدف إلى المحافظة على هذا التوازن.

و التوازن في الطبيعة ليس توازناَ ثابتاَ أو جامداَ، و إنما متحرك عبر الزمن. فالتغيرات التي تحدث اختلالاَ في توازن الطبيعة تقابلها تغيرات بشكل معاكس لإعادة الطبيعة إلى ميزانها.

أما الوسطية عند الإنسان فتشكل له تحدياَ، يسعى إليها بجهده و عبر الزمن لتحقيقها و تزكيتها. و أقول تحدياَ لأن هناك إمكانية أن يطغى الإنسان و يخل بتوازنه باتجاه أو بآخر. فكيف يكون ذلك؟

لقد لاحظ ابن خلدون في مقدمته أن الإنسان صار إنساناَ منذ أن تميز بالفكر و اليد

 و لما كان العدوان طبيعياَ في الحيوان جعل لكل واحد منها عضواَ يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره.  و جعل للإنسان عوضاَ من ذلك كله الفكر و اليد. فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر

تحدثنا في محاضرة سابقة عن الإنسان كمخلوق مفكر، امتاز عن بقية المخلوقات بفكره الطبيعي و قدرته على توليد أفكار جديدة، أو البناء على أفكار سابقة مستخدماَ منطقه الصناعي ليفرغ ما توصل إليه فكره الطبيعي في قالب وثيق العرى صحيح البنيان. أما يد الإنسان فهي العضو الذي يعبر عن قدرته على الفعل و التأثير. و قد تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات بقدرة يده على اختراع الآلة و تطويرها لتستجيب بدورها لمتطلباته التي لا تتناهى لجعل حياته ممكنة.

ويمكن أن نستشهد بما قاله شبننغلر عن اليد و الآلة:

“What is man? And how did he come to be a man? The answer is through the genesis of the hand. Here is a weapon unparalleled in the world of free-moving life…..The unarmed hand is in itself useless. It requires a weapon to become itself a weapon. As the implements took form from the shape of the hand, so also the hand from the shape of the tool”

“…..The act of thinking hand we call a deed. There is already activity in the existence of the animals, but deeds begin only with Man. Nothing is more enlightening in this connection than the story of fire. Man sees (cause and effect) how a fire starts, as also do many of the beasts. But Man alone (end and means) thinks out a process of starting it”.

 إلا أن الإنسان قد يهمل فكره و قدرته على عقل الأشياء و فهمها،

و يتخلى عن الفعل بل و يعجز عنه. فالأشياء في العالم لا تبدو له مهمة

و لا تعنيه أبداَ. فيدير ظهره للعالم من حوله استصغاراَ له و تحقيراَ. و قد ظهر في تاريخ البشرية ثلاث ممارسات اجتماعية تعبر عن رفض العالم و أشيائه:

1.   الرهبنة في التجربة المسيحية

2.        التصوف في التجربة الإسلامية

3.        النرفانا في التجربة البوذية

و من المناسب أن نعرض المراحل الثلاث التي يمر بها التصوف و الزهد في التجربة الإسلامية كما نقلها مرسى إلياد

1. رفض العالم

2. رفض التلذذ بالنجاح في رفض العالم

3. اللامبالاة بأي قيمة لهذا العالم، فلا ينظر إليه أصلاَ.

و قد يهتم الإنسان بالعالم ليجعل حياته ممكنة فيتوجه إليه فيجده فاتحاَ له ذراعيه ليجيب على أسئلته. و كلما أحسن الإنسان طرح السؤال جاءت الإجابة أفضل و مكنت الإنسان من هذا العالم و أشيائه. و ما الحضارات التي شهدتها البشرية إلا تعبيراَ عن هذا الاهتمام بهذا العالم و توجيه الأسئلة إليه: الحضارة الرومانية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الغربية.

و قد يطغى الإنسان بفكره في هذا الاتجاه و يظن أن ما توصل إليه هو نهاية المطاف، فتسجنه الفكرة و لا يمكنه بعدها أن يرى غيرها أو ما هو أعلى و أرقى منها. و ما فكرة "نهاية التاريخ" أو فكرة "ما بعد الحداثة" إلا تعبيراَ عن فقدان وجهة ممكنة لفكر الإنسان و تقدمه.

أو قد يطغى بسبب استغنائه كلما حققت له يده رغبة كان يتطلع إليها.

"كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"،

إلى أن يصبح الإنسان سجيناَ لما وقع بين يديه من أشياء هذا العالم و يفقد قدرته على التحكم بها فيخضع لها بعد أن كانت هي خاضعة له

"لا يقدرون على شيء مما كسبوا"

"ضرب الله مثلاَ عبداَ مملوكاَ لا يقدر على شيء و من رزقناه منا رزقاَ حسناَ فهو ينفق منه سراَ و جهراَ هل يستوون"

فالتوازن الذي ندعوا إليه هو الذي دعت إليه النبوة و سعت عبر مشروعها الطويل لتحقيقه. و قدمت نموذجه على المستوى الفردي في شخص النبي محمد الذي وصل إلى سدرة المنتهى، و على المستوى الاجتماعي في مجتمع المدينة الذي رباه النبي محمد على عينه:

"محمد رسول الله و الذين معه"، استمعوا إلى وصفهم و مثلهم في التوراة

"تراهم ركعاَ سجداَ يبتغون فضلاَ من الله و رضواناَ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة"

فالتوراة تذكر بني اسرائيل، و هم يتخلصون من ربق العبودية و يدخلون العالم من جديد أن يوفروا لأنفسهم قدرة على التخلص من سجن العالم من خلال الركوع و السجود من أجل تحقيق التوازن.

ومثل محمد و الذين معه في الإنجيل
"و مثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه"

فالإنجيل يذكر أتباع عيسى و هم يتخلصون من مادية الحضارة الرومانية أن لا ينسوا نصيبهم من الدنيا و الفعل في هذا العالم المعبر عنه بالزراعة من أجل معانقة الميزان الذي سيحميه لهم محمد

"و مبشراَ برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد"

و بناء على ما تقدم نقول:التوازن في المجال الإنساني هو حركة مستمرة لتوفير قدرة عالية على التفكير و الفعل في العالم يقابلها توفير قدرة عالية على التخلص و التحرر مما توصل إليه فكر الإنسان و ما وقع بين يديه.

"قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين"

و يقول الإمام علي: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداَ و اعمل لآخرتك كأنك تموت غداَ.

و من الأمور التي تعيننا على التوازن هي العبادات. العبادات في الإسلام أو الشعائر التعبدية هي نماذج حية تضمن الحركة باتجاه الوسطية و الميزان

صلاة الجمعة:

"يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع"

يوم الجمعة في التجربة الإسلامية هو يوم سوق و بيع و شراء. و الصلاة في منتصف النهار في المسجد الذي عادة يتوسط السوق تمثل حالة طوارئ تقتضي ترك البيع و الشراء و اكتساب القدرة على التحرر من سجنهما في أعلى لحظات الانغماس فيهما. و لكن لا تبقوا هناك

"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله"

عودوا الآن إلى دنياكم و معاشكم. عودوا إلى فعلكم في هذا العالم. عودوا عودة نوعية تحول البيع إلى ابتغاء من رزق الله.

المحافظة على الصلوات مطلوبة

"حافظوا على الصلوات"، الصلاة التي لا تخرج المؤمن من العالم و لا تنسيه نصيبه من الدنيا. هي بهذا المعنى صلاة وسطى و متوازنة

و تضمن الوسطية و الميزان. لنكمل الآية الآن "و الصلاة الوسطى".

صوم رمضان:

يدفعنا الصوم خلال النهار خارج العالم المادي متحررين و ممتنعين عن الطعام و الشراب، ثم يعود بنا إليه في آخره. عملية تستغرق شهراَ كاملاَ بين الخروج و الدخول في هذا العالم لتحقيق التوازن، توازن الفطرة التي فطرنا الله عليها: " كل مولود يولد على الفطرة"، أما بعد رمضان فيولد إنسان جديد، ولادة هو صاحبها و صانعها. ولادة إنسان له قدرة عالية على الفعل و التأثير في هذا العالم، و في نفس الوقت له قدرة عالية على التخلص من سجن ما وصل إليه و وقع بين يديه. و لا يقبل صوم أحدنا حتى يخرج من ماله عن كل نفس حية (حتى الجنين في رحم أمه) زكاة تسمى زكاة الفطر أو الفطرة. و كأن إضافة الحياة تذكرنا بتقديم ما يزكي الحياة و ينميها. و بعد ذلك نحتفل بالعيد: عيد الفطر، عيد العودة إلى الفطرة و الاعتدال و تزكي الميزان.

مفهوم الدنيا و الآخرة:

إن حضور الآخرة في الدنيا يعادل حضور الدنيا في الآخرة

"و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا"

"فمن يعمل مثقال ذرة خيراَ يره، و من يعمل مثقال ذرة شراَ يره"

"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراَ و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمداَ بعيداَ".

و قد تفنن القرآن الكريم في وصف الجنة و ما فيها لتكون جزاء ما أنجزنا في هذا العالم. و جاء الوصف مدفوعاَ إلى أقصاه ليزهدنا بما يقع بين أيدينا من أشياء هذا العالم، فإذا أشياء هذا العالم و هي عوائق تحول بيننا و بين الجنة تصبح هي عينها الحوافز التي تدفعنا باتجاهها و تحدد الفوز بها.

مظاهر التوازن الاجتماعية:

"و كذلك جعلناكم أمة وسطاَ". كلمة "جعلناكم" تفيد أن الوسطية في الأمة تتحقق عبر الزمن. و قد بقي للوسط حضور دائم في التجربة الإسلامية سببه حضور القرآن في ذهن و مخيال أفراده.وقد تمظهر التوازن في مناحي الحياة كلها:

1. في الأدب و الفلسفة:

لم يغب الوسط عن مخيال ابن طفيل (ت 1185) حتى و هو يعيش حالة الخروج من العالم مع التصوف. ما زال يرى أجمل ما في الظبية وسطها أي قلبها، مركز نبض حياتها في قصته المشهورة "حي بن يقظان":

"و أخيراَ وصل إلى أن العضو الذي سبب الموت يجب أن يكون في الوسط حتى يمد سائر الأعضاء ربالقوة و الحياة، فلما مات ماتت الأعضاء. ففتش في الوسط و ما حوله فلقي القلب. و هو مجلل بغشاء في غاية القوة. و الرئة مطبقة عليه لحمايته. و رأى له من حسن الوضع

و جمال الشكل و قلة التشتت، و قوة اللحم ما حمله على أن يعتقد أنه سبب الموت و الحياة. و رآه قد تجمد فيه الدم الذي يوجد مثله في سائر الأعضاء، و شرح القلب فرأى تجويفاَ من تجويفاته فارغاَ كان فيه حرارة ثم ارتحلت. و أنه بارتحالها ارتحلت الحياة معه، و بذلك أدرك سر الموت".

يأخذ ابن خلدون ت 1406) أعلى خصائص الإنسان و هي خاصية الفكر فيجد المكان المسؤول عن هذه الوظيفة في وسط أعز ما عند الإنسان

 و هو دماغه،

"ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر. و آلته البطن الأوسط من الدماغ؛ و هي القوة التي تقع بها حركة الرؤية و التوجه نحو التعقل".

و يرى أن المعتدل من المناخ كان أكثر المواقع الأرضية التي ساهمت في بروز عمران نوعي و حضري أعلى في مستوى التجارب الإنسانية المختلفة. لم تظهر بسبب الأنهار و الوفرة و إنما بسبب اعتدال مناخها. الاعتدال هو الذي أنشأ البيئة التي ينمو فيها الإنسان كإنسان،

"فلهذا كانت العلوم و الصنائع و المباني و الملابس و الأقوات و الفواكه بل و الحيوانات، و جميع ما يتكون في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال. و سكانها من البشر أعدل أجساماَ و ألواناَ و أخلاقاَ و أدياناَ، حتى النبوات، فإنما توجد في الأكثر منها"

إذن، ظهرت النبوات في المناطق المعتدلة لتكون المحضن الأول الذي ينمو فيه الإنسان بأعلى نوعية. كما تشكل هذه التجربة إمكانية الوصول إلى نوعية أعلى للإنسان إذا أنشأنا عمراناَ متوازناَ بوعي و تدخل منا.

و عندما يلاحظ ابن خلدون أنه بقدر ما تكون النفس معتدلة و أقرب للتوازن تكون أقرب إلى اتباع الحق يدلنا على أن الموضوعية ليست عملية فكرية أو قدرة على إخراج النفس من الأمر الذي تدرسه، و إنما لها علاقة وثيقة باعتدال الإنسان نفسه. فالاعتدال هو الذي يساعد على الوصول إلى مستوى أعلى من الموضوعية.يقول ابن خلدون:

"فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص و النظر حتى تتبين صدقه من كذبه". و قد قال ابن الهيثم كلاماَ مماثلاَ في المقالة الأولى قي المناظر:

"الواجب على الناظر في كتب العلماء، إذا كان غرضه معرفة الحقائق أن يجعل نفسه خصماَ لكل ما ينظر فيه و يحيل فكره في متنه و في جميع حواشيه و يخصمه من جميع جهاته و نواحيه و يتهم أيضاَ نفسه عند خصامه فلا يتحامل و لا يتسامح". و يقول أيضاَ

"و يجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه و نتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى و نتحرى في سائر ما نميزه و ننقده لطلب الحق لا الميل مع الآراء فعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي يثلج الصدر و نصل بالتلطف

و التدريج إلى الغاية التي عندها يقع اليقين و نظفر مع النقد و الحقيقة التي يزول معها الخوف و تنسجم الشبهات".

و يعبر ابن رشد عن رغبته بالتوازن عندما يوفق بين الشريعة و الفلسفة (الحكمة) جاعلاَ الأخيرة أخت الأولى بالرضاعة.

2. في الرياضيات:

إن التجربة الإسلامية هي التي أعطت رياضيات الجبر و المقابلة عند محمد ابن موسى الخوارزمي. فجبر ما تكسر يكون بإحلال التوازن كما عكس ذلك مصطلح "المقابلة" الذي اختاره الخوارزمي لرياضياته.

3. في الطب:

في مجال الطب يعرف ابن سينا المرض باختلال التوازن. و يتعافى المريض من مرضه إذا مكن من توازنه.

4.   في الكيمياء:

إن المبدأ الرئيس الذي يقوم عليه فن الكيمياء عند جابر بن حيان هو الميزان، إذ به تعرف النسب الصحيحة للعناصر التي تؤلف المعادلة الكيميائية والظروف المناسبة لحصول التفاعلات الكيميائية.

5.   في الفيزياء:

و في الفيزياء، يشرح أبو الفتح عبد الرحمن الخازني في كتابه "كتاب ميزان الحكمة" نظريته في الميزان و كيفية تطبيقها لقياس أوزان الأجسام التي تتألف من عنصر أو عنصرين بدقة فائقة.

6. في الفن:

التجربة الإسلامية هي التجربة الوحيدة التي صاحبها الفن الباحث عن التوازن طوال تاريخها كما يعكس ذلك فن الأرابسك و الكاليغرافي، حيث الصورة المتوازنة و أعلى ما توصل إليه التفنن في الكتابة. و ينطبق ذلك أيضاَ على الموسيقى الباحثة عن التناسب.

7. في الفن المعماري:

لقد دفع تعلق الهمة بمشروع الوسطية و الميزان عمل المعماري إلى إخراج الزينة بالنسبة لمعمار المنازل كرغبة لمنع الفتنة التي تضرب التوازن و تدفع نحو الطغيان. و في نفس الوقت، يتركز الجمال في البناء الذي تستخدمه المجموعة و هو المسجد الذي يتوسط المدينة أو القرية.

العمران و الميزان:

و بناءَ على ما تقدم يمكن أن نتعرف بشكل أعمق على تجارب الأنبياء و المصلحين عبر التاريخ:

يتميز أهل الصحراء بتوسط بسيط و توازن بدائي مما يجعلهم أكثر استعداداَ لقبول و اتباع دعوة الحق.

أما عيسى الذي واجه مجتمعاَ في مرحلة حضارة يريد أن يخلصه من أزمته، أزمة تحقق الغاية دون تحقق الخلاص. لقد استطاع عيسى و حواريوه من بعده أن يتحركوا بهذا الاجتماع لمدة أكثر من خمسمائة عام في عملية إخراج واعية من سجن و تأثير عالم الأشياء باتجاه الوسطية و الميزان. هنا عيسى يصنع في وسط مركب مقابل الوسط البدائي و البسيط الذي رأيناه في أهل الصحراء مع محمد. هناك إذن  اشتراك في التوسط و التوازن و استعداد من الاجتماعين لاستقبال دعوة وسط. و هذا ما يفسر انتشار الإسلام في جميع الاتجاهات و لم تست&